السيد محمد تقي المدرسي
139
من هدى القرآن
إنه لم يقتل أباه ولم يتمرد عليه ، وإنما اعتزل ما يعبد بعد أن جادله بالحسنى وأعتقد أن هذين الأسلوبين ، الأسلوب المرن ثم أسلوب الاعتزال هما أمثل طريقة للتعامل بين الأجيال في قضايا الصراع وفي حالات التغيير . وهنها ملاحظة تتراءى في هذه الآيات وهي : إن القرآن الحكيم يركّز الضوء هنا على مشهد واحد فقط من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ، وهو مشهد الحوار مع أقرب الناس إليه ، بينما ترك سائر المشاهد كمشهد صراعه مع النظام القائم ومع المجتمع الجاهلي ، ولعلَّ السبب أنّ هذه السورة تركّز على موضوع علاقة الإنسان بأسرته ، وعلاقته بالأقربين إليه . كما أنّ القرآن الحكيم يبين حقيقة أخرى وهي : أنّ الإنسان الذي يترك أهله ويعتزلهم لوجه الله ، فإنّ الله سبحانه سوف يعوضه بآخرين ، أحسن منهم ، والقرآن الحكيم يؤكد هذه الفكرة في هذا المشهد من حياة إبراهيم الخليل ، حيث يبيّن بأنّ الله قد عوضه عن أسرته السابقة بأسرة جديدة ، وجيل جديد ، ووهب له إسماعيل وإسحاق ويعقوب وذرية طيبة منهم ، ونجد تكراراً لهذه الفكرة في الدرس القادم . . بينات من الآيات : [ 41 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً كان إبراهيم قدوة وكان صديقاً ، صدّق بكل ما أنزله الله ، إنّ بعض الناس يصدقون ويعملون بما أنزل الله ولكن بشرط أن لا يتعارض ومصالحهم ، أو لا يكون صعباً ، بينما إبراهيم كان صدّيقاً ، آمن بكل ما أنزله الله من هدى وبرامج برغم كل الضغوط والصعوبات ، وكان نبياً مرسلًا من قبل الله . [ 42 ] إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً لقد وصل إبراهيم بفطرته وبهدى ربه إلى نتيجة وهي : أن عبادة الآلهة الحجرية خطأ لأنها لاتبصر ولا تسمع ولا تستطيع أن تفعل شيئاً . في كثير من الأوقات يصل أبناء البشر إلى نقطة محورية فطرية واضحة ولكنهم بعدئذٍ يتركون الأمر ، ولا يفكرون تفكيراً جدياً في متابعة ما توصلوا إليه ، بل كل إنسان يعيش في مجتمع فاسد تبرق له غالب الأحيان ، أو يطرق سمعه إنذار المنذرين ، أو يتعلق قلبه في الشدائد بالمُهيمن القادر على إنجاءه - ربما ذلك جميعاً - من هدى ربه بارقة هدى ، لو سار وراءها لاهتدى . ولذلك نرى أن هؤلاء الذين يعيشون في أقاصي الأرض بعيدين عن هدى الرسالات الإلهية ، تبقى لله عليهم حجة تتمثل في أنهم في بعض لحظات حياتهم يصلون إلى بعض النتائج الأولية ،